محمد بن عبد الكريم الشهرستاني

494

تفسير الشهرستاني المسمى مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار

التي تتلوها الشياطين تعزيمات رجسية تطابق كلمات الرجس ؛ فتؤثّر تأثير الكلمات التامّات في الأوّل حتّى تحرّك ساكنا وتسكن متحرّكا ، وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ . وسرّ آخر : أنّ المعجزات والكرامات والإلهامات في جانب الحقّ ، وأنّ السحر والكهانة والتعزيمات في جانب الباطل ؛ ومن تشابه الباطل بالحقّ يكون السحر متصوّر الوجود ، لكنّ الباطل لا يكون له الكون الثاني ؛ فالسحر كذلك يكون له الكون الأوّل في البصر أو الخيال ولا يكون له الكون الثاني في العقل . ثمّ إنّ المعجزات في أعلى درجات النفوس النبويّة والكرامات دونها ، والإلهامات دونها ، كذلك السحر يقابل المعجزات بالتضادّ وهو في أعلى درجات النفوس الشرّيرة ، والكهانة دونها ، والتعزيم أو التنجيم أو العرافة دونها . كما أنّ النفوس النبويّة اشتملت على عقل يناسب العقل الكلّي وعلى نفس تناسب النفس الكلّية وعلى طبيعة تناسب الطبيعة الكلّية ، فمن حيث الإدراك تنحو نحو العقل ، ومن حيث التدبير تنحو نحو النفس ، ومن حيث التسخير تنحو نحو الطبيعة ، حتّى يقال : إنّ سليمان - عليه السلام - بعقله عرف منطق الطير ، وبنفسه ارتدّت له الشمس ، وبطبيعته استسخر له الجنّ والإنس والطيور والوحوش ؛ فانقادوا لخاتمه الذي عليه نفس كلمة اللّه - عزّ وجلّ - واسمه الأعظم ، كذلك ( 215 ب ) النفوس الشرّيرة اشتملت على عقل ونفس وطبيعة تشابه الثلاثة الكلّية حتّى أثّرت تأثيرها وسخّرت تسخيرها في الأوّل ، وظهرت مضمراتها على الطبايع والنفوس والعقول ؛ ولكنّ الفرق بين التأثيرين أنّ ما وقع في جانب الحقّ كلّه خير ونفع ، وما وقع في جانب الباطل كلّه شرّ ومضرّة . فلذلك قال - عزّ وجلّ - : وَيَتَعَلَّمُونَ ما يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وممّا يفرق به بين التأثيرين أنّ ما وقع في جانب الحقّ يشدّ بعضه بعضا ويؤكّد ظاهره باطنه وباطنه ظاهره ، وما وقع في جانب الباطل ينقض بعضه بعضا ويخالف ظاهره باطنه وباطنه ظاهره . وسرّ آخر : أنّ اليهود أجمعوا على أنّ سليمان - عليه السلام - كان يضبط ملكه ويستسخر الجنّ والإنس والوحوش والطيور بالعزائم القولية والفعلية إلّا أنّ الخواصّ منهم يعتقدون أنّ تلك العزائم كانت أسماء اللّه الحسنى وكلماته الأعلى التي بها يحفظ العرش والكرسيّ